سيد محمد طنطاوي

491

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

« بورقكم » . أي : بدراهمكم المضروبة من الفضة ، * ( إِلَى الْمَدِينَةِ ) * التي يوجد بها الطعام الذي نحن في حاجة إليه ، والتي هي أقرب مكان إلى الكهف . قالوا : والمراد بها مدينتهم التي كانوا يسكنونها قبل أن يلجئوا إلى الكهف فرارا بدينهم . * ( فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً ) * أي : ومتى وصل إلى المدينة ، فليتفقد أسواقها ، وليتخير أي أطعمتها أحل وأطهر وأجود وأكثر بركة . * ( فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْه ولْيَتَلَطَّفْ ) * أي : فليأتكم بما يسد جوعكم من ذلك الأزكى طعاما ، فيكون الضمير في « منه » للطعام الأزكى . ويصح أن يكون للدراهم المضروبة المعبر عنها « بورقكم » ، أي : فليأتكم بدلا منها بطعام تأكلونه ، وليتلطف ، أي : وليتكلف اللطف في الاستخفاء ، والدقة في استعمال الحيل حال دخوله وخروجه من المدينة ، حتى لا يعرفه أحد من أهلها . * ( ولا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ) * أي : ولا يفعلن فعلا يؤدى إلى معرفة أحد من أهل المدينة بنا . وقوله : * ( إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً ) * تعليل للأمر والنهى السابقين . أي : قولوا لمن تختارونه لشراء طعامكم من المدينة : عليه أن يتخير أزكى الطعام ، وعليه كذلك أن لا يخبر أحدا بأمركم من أهل المدينة ، لأنهم * ( إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ) * أي : يطلعوا عليكم . أو يظفروا بكم . وأصل معنى ظهر . أي : صار على ظهر الأرض . ولما كان ما عليها مشاهدا متمكنا منه ، استعمل تارة في الاطلاع ، وتارة في الظفر والغلبة ، وعدى بعلى . * ( يَرْجُمُوكُمْ ) * أي إن يعرفوا مكانكم ، يرجموكم بالحجارة حتى تموتوا * ( أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ) * الباطلة التي نجاكم اللَّه - تعالى - منها . * ( ولَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً ) * أي : وإن عدتم إليها بعد إذ نجاكم اللَّه - تعالى - منها وعصمكم من اتباعها ، فلن تفلحوا إذا أبدا ، لا في الدنيا ولا في الآخرة . وهكذا نجد هاتين الآيتين تصوران لنا بأسلوب مؤثر بليغ حال الفتية وهم يتناجون فيها بينهم ، بعد أن استيقظوا من رقادهم الطويل .